أبي منصور الماتريدي

435

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليس إليه الوسوسة : فقال الحسن : كان آدم - عليه السلام - في السماء وإبليس في الأرض ، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك . وقال قوم « 1 » : كان خاطبه في رأس الحية . وقيل : تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله : إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ . . . الآية [ طه : 117 ] فاغتر به ، ولو عرفه لما اغتر به بعد أن حذره الله عنه ، والله أعلم كيف كان ذلك . وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم : منهم من يقول : يجرى بين الجلد واللحم كما يجرى الدم ، فيقابل وجه بصره بقلبه ؛ فيقذف فيه . ومنهم من يقول : هو بحيث جعلت له قوة إيصال الخطر بباله ، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له ، وذلك لا يعلمه البشر . ومنهم من يقول : إن النفس كأنها سيالة في الجسد ، دائرة في جميع الآفاق ، لولا الجسد الذي يحبسه لكان له الانتشار ، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده ، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على من في أقصى بقاع الأرض حتى يصير له كالمعاين ؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه . ونحن نقول - وبالله التوفيق - : إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك ، لكن الله تعالى جعل للحق أعلاما ، وكذلك للباطل . وكل معنى يدعو إلى الباطل ، ويحجب عن الحق ، فهو عمل الشيطان ، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك ؛ قال الله تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ * [ الأعراف : 200 ، فصلت : 36 ] . وقال الله عزّ وجل : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا [ الأعراف : 201 ] . وقال الحسن في قوله : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [ الأعراف : 20 ] : وقد علم آدم أن الملائكة أفضل ، وقد علم ألا خلود يكون معه ، وقد أخبر أنه يموت ، وقد علم أنه لا يكون ملكا ، وقد خلق من طين والملائكة من

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس بنحوه ( 750 ) وابن مسعود ( 743 ) ووهب بن منبه ( 742 ) وغيرهم . وانظر الدر المنثور ( 1 / 108 ، 109 ) .